ابن الأثير

200

الكامل في التاريخ

ذكر عمرة الحديبيّة في هذه السنة خرج رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، معتمرا في ذي القعدة لا يريد حربا ومعه جماعة من المهاجرين والأنصار ومن تبعه من الأعراب ألف وأربعمائة ، وقيل : ألف وخمسمائة ، وقيل : ثلاثمائة ، وساق الهدي معه سبعين بدنة ليعلم الناس أنّه إنّما جاء زائرا للبيت . فلمّا بلغ عسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبيّ فقال : يا رسول اللَّه هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فاجتمعوا بذي طوى يحلفون باللَّه لا تدخلها عليهم أبدا ، وقد قدّموا خالد بن الوليد إلى كراع الغميم . وقيل : إنّ خالدا كان مع النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، مسلما ، وإنّه أرسله ، فلقي عكرمة بن أبي جهل فهزمه ، والأوّل أصحّ . ولما بلّغه بسر ما فعلت قريش قال رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم : يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ! ما ذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر الناس ، فإن أصابوني كان الّذي أرادوا ، وإن أظهرني اللَّه دخلوا في الإسلام وافرين ، واللَّه لا أزال أجاهدهم على الّذي بعثني اللَّه به حتى يظهره اللَّه أو تنفرد هذه السالفة . ثمّ خرج على غير الطريق التي هم بها وسلك ذات اليمين حتى سلك ثنيّة لمرار على مهبط الحديبيّة ، فبركت به ناقته ، فقال الناس : خلأت . فقال : ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل [ عن مكّة ] ، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطّة يسألوني فيها صلة الرحم إلّا أعطيتهم إيّاها . ثمّ قال للناس : انزلوا . فقالوا : ما بالوادي ماء . فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه ، فجاش الماء بالريّ حتى ضرب